محمد أبو زهرة
4016
زهرة التفاسير
وفي هذه الآية يقولون : سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ سواء معناها يستوى علينا جزعنا أم صبرنا ، فالجزع لا يحول الشر عنا ، والصبر لا يمنع الأذى . وقد فسروا هذه التسوية بقولهم : ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ ، أي منجاة من العذاب ، أو مهرب منه أو متحول من هذه الحال إلى غيرها ، ومحيص : من حاص حيصا ، وهو التحول ، أي ما لنا من تحول ، ومحيص هنا إما أن يخرج القول على أن محيص اسم مكان ، ومكانهم جهنم ، أي ما لنا تحول عن هذا المكان ، أو مصدر ميمى ، أي ما لنا تحول عما نحن فيه ، فالأمر للّه . تلك هي المجاوبة التي بين التابع والمتبوع ، والشيطان مصدر ضلالهم وإغوائهم وهو كالمتفرج عليهم ولكنه غير ناج : وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ أي أحكم وفصل فيه ، ولم يكن لحكم اللّه مرد ولا نقص ، إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ ، أي وعد هو الحق ، فالإضافة بيانية ، أي الأمر الصحيح الثابت الصادر من مالكه ، وهو الذي يجازى عليه بالثواب وعلى مخالفته بالعقاب ، والفعل في ذاته نفع لا ضرر فيه ، وخير لا شر فيه ، وكان عليكم أن تطيعوه ، ولا تخرجوا عليه . وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ولم يذكر وصف وعده ؛ لأنه مفهوم من وصف الأول بأنه الحق ومقابله باطل ، فما ذا بعد الحق إلا الضلال ، وترك لأنه مفهوم من السياق ، ولكي تذهب مذاهب فيما يعد به الشيطان إنه لا يعد إلا بما يكون من ورائه الفساد والبوار ، والعبث والشر ، فهو ليس باطلا فقط بل أكثر من باطل إمعانا في الشر ، وقوله : فَأَخْلَفْتُكُمْ ، أي منيتكم الأماني الباطلة ، وأودعت نفوسكم الأوهام ، وزينت لكم السوء لتحسبوه أنه حق ، وإسناد الإخلاف إليه - لعنه اللّه تعالى - مع أن الإخلاف من اللّه تعالى ، وبيان كذب ما وعد وألقى به في أمنية الناس ؛ لبيان أنه وهو يعد يعلم أنه باطل وأنه إغواء ، فكأنه هو الذي أخلف لأنه يعلم أنه كذب لا حقيقة بل هو وهم وضلال .